ابن قتيبة الدينوري
152
تأويل مشكل القرآن
ينكرك ويكفرك : ألم أبوّئك منزلا وأنت طريد ؟ أفتنكر هذا ؟ و : ألم أحملك وأنت راجل ؟ ألم أحج بك وأنت صرورة ؟ أفتنكر هذا ؟ . ومثل ذلك تكرار فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر : 15 ، 17 ، 22 ، 32 ، 40 ، 51 ] في سورة ( اقتربت الساعة ) أي : هل من معتبر ومتّعظ ؟ . وأما تكرار المعنى بلفظين مختلفين ، فلإشباع المعنى والاتساع في الألفاظ . وذلك كقول القائل : آمرك بالوفاء ، وأنهاك عن الغدر . والأمر بالوفاء هو النّهي عن الغدر . و : آمركم بالتّواصل ، وأنهاكم عن التّقاطع . والأمر بالتواصل هو النهي عن التّقاطع . وكقوله سبحانه : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68 ) [ الرحمن : 68 ] . والنخل والرّمان من الفاكهة ، فأفردهما عن الجملة التي أدخلهما فيها ، لفضلهما وحسن موقعهما . وقوله سبحانه : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] وهي منها ، فأفردها بالذّكر ترغيبا فيها ، وتشديدا لأمرها ، كما تقول : ايتني كل يوم ، ويوم الجمعة خاصّة . وقال سبحانه : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [ الزخرف : 80 ] والنّجوى هو السر . وقد يجوز أن يكون أراد بالسرّ : ما أسرّوه في أنفسهم ، وبالنّجوى : ما تسارّوا به . وقال ذو الرّمة « 1 » : لمياء في شفتيها حوّة لعس * وفي اللّثات وفي أنيابها شنب واللّعس هو : حوّة ، فكرّر لما اختلف اللفظان . ويمكن أن يكون لما ذكر الحوّة ، خشي أن يتوهّم السامع سوادا قبيحا ، فبيّن أنه لعس ، واللعس يستحسن في الشّفاه . وأمّا الزيادة في التوكيد فكقوله سبحانه : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [ آل عمران : 167 ] لأن الرجل قد يقول بالمجاز : كلمت فلانا ، وإنما كان ذلك كتابا أو إشارة على لسان غيره ، فأعلمنا أنهم يقولون بألسنتهم .
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لذي الرمة في ديوانه ص 32 ، والخصائص 3 / 291 ، والدرر 6 / 56 ، ولسان العرب ( شنب ) ، ( لعس ) ، ( حوا ) ، والمقاصد النحوية 4 / 203 ، وهمع الهوامع 2 / 126 ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 2 / 438 .